قضية دمج المعاق بالمجتمع.. بين الواقع والمأمول (المعاق واحد منا)

اعداد / ماجد الأعور

 

اتجهت الأنظار، في الآونة الأخيرة، نحو أهمية برامج الدمج لذوي الإعاقات المختلفة، والتي أولتها المجتمعات العربية جل اهتمامها. وانطلقت العديد من الدراسات العلمية في مجال التربية الخاصة وعلم النفس، التي تناولت تجارب الدمج وأساليبه المختلفة للتعرف على الإيجابيات والسلبيات الناتجة عن تجربة الدمج، سواء بالنسبة لذوي الإعاقة أو الاشخاص غير المعاقين. وتوسعت الدراسات لتشمل الاتجاهات المختلفة نحو الدمج، سواء كانت اتجاهات المعلمين نحو الدمج، أو اتجاهات طلبة المدارس نحو الدمج، أو اتجاهات المجتمع نحو الدمج.

 

أمل يساور المعاق

وقد حظي الأشخاص ذوو الإعاقة، في الآونة الاخيرة بمزيد من الاهتمام؛ خصوصاً بعد المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وبعد أن أصبحت الدول الموقعة عليها ملزمة بتوفير الرعاية الصحية والتربوية والاجتماعية والنفسية والسياسية. وقد نالت أساليب الدمج قدراً من الاهتمام؛ فهناك تجارب بدأت منذ ثلاثين عاماً، ومنها على سبيل المثال تجربة المملكة العربية السعودية، وتجارب أخرى بدأت بأشكال متفاوتة، في لبنان والأردن وفلسطين ومصر والإمارات العربية المتحدة والكويت، منها تجارب متقدمة وتجارب مازالت في مراحلها الأولى.

 

 

نهضة تفيد

 

وهذه النهضة العلمية لا نريد لها التوقف؛ فقد ظهرت العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة واضحة، من خلال دراسات علمية رصينة. فتجربة وأساليب الدمج لها من الفوائد الكبيرة التي تعود على الأشخاص من ذوي الإعاقة وأسرهم، وتعود على المجتمع ككل. بل إن أسلوب الدمج يبعث على بث روح الطمأنينة والمشاركة الإيجابية من قبل آباء وأمهات الأشخاص ذوي الإعاقة، لمجرد إحساسهم بأن ابنهم، ذا الإعاقة، يذهب للمدارس العادية. بالإضافة إلى ذلك، فعملية الدمج تتيح لذوي الإعاقة فرصة التعلم في أماكن مناسبة وملائمة لتحركات المعاق. فالعبء يقع على المعلم في كيفية العمل مع واحد من الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي الوقت نفسه يحافظ على درجة انتباه باقي الأشخاص.

 

كما أن المدارس المعزولة تساهم في حرمان الطفل من الجو المجتمعي الدافئ، وتضع العراقيل في سبيل تواصله مع المجتمع نتيجة عدم احتكاكه بالأطفال بشكل عام معظم الوقت. إن اختلاط الطلاب من ذوي الاعاقة في الفصل الواحد، دون مراعاة لشدة ودرجة الإعاقة، ودون مراعاة لنقاط القوة والضعف لكل تلميذ ذي إعاقة، رغم الاعتماد على تفريد التعليم داخل الفصل، يجعل المعلم غير قادر على الاهتمام بطلابه معظم الوقت، نتيجة انشغاله بشخص واحد منهم. هنا طبعاً لا يوجد باحث أو عامل في ميدان الإعاقة يرفض تفريد التعليم؛ ولكن القضية تتمثل في العبء الذي يقع على المعلم في كيفية العمل مع شخص واحد من الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي الوقت نفسه يحافظ على درجة انتباه باقي الأشخاص.

 

و لا شك أن أساليب الدمج تحقق فرصة حقيقية للتعرف على ذوي الإعاقات، مما يساهم في تعديل الأفكار الشائعة والخاطئة في الوقت نفسه عن تلك الفئات، بالإضافة إلى تعديل الاتجاهات السلبية نحو هؤلاء الاشخاص.

 

 

 

قضايا جدلية تحتاج إلى الحسم

 

وهناك قضايا جدلية تحتاج إلى الحسم، من خلال الدراسات العلمية وورش العمل والمناقشات الجادة. وسأكتفي بوضعها في صورة تساؤلات كالتالي:

 

1-  ما هي صفات وخصائص المعلم الذي يقوم بالتدريس لتلك الفئات؟ وما هي الاحتياجات المناسبة لإعداده الإعداد الذي يحقق الأهداف النهائية للدمج، وكيفية إعداده لتلك المهمة الإنسانية في المقام الأول، وكواجب اجتماعي؟

 

2-  ما هي إمكانات المدرسة التي يتم فيها الدمج. والمقصود بالإمكانات هنا الوسائل التعليمية والتكنولوجية المساعدة في تعليم ذوي الإعاقة، وكذلك الإتاحة الهندسية والتصميم المكاني لتلك المدرسة. وما هي المحتويات المناسبة لغرفة المصادر؟

 

3-  ما هي البرامج التدريبية المطلوبة لإدارة المدرسة والمعلمين بالمدرسة لإنجاح فكرة الدمج والتوعية بفئات الإعاقة وخصائصها وسماتها؟

 

4-  ما هو دور الوالدين في المساعدة على إنجاح فكرة الدمج كأشخاص أساسيين وفاعلين في النهوض بأبنائهم؟

 

5-  كيف تتم توعية التلاميذ غير المعاقين بقضية الدمج والدور المطلوب منهم كشركاء في المجتمع، وما هي مسؤولياتهم الاجتماعية نحو ذوي الإعاقة؟

 

6-  هل هناك دور محدد للإعلام، من صحف وتليفزيون، للتوعية بالإعاقة وتنمية وتفعيل دور المجتمع في الحد من الإعاقة وتقديم الرعاية المناسبة، والتغلب على الاتجاهات السلبية السائدة في المجتمع نحو تلك الإعاقات؟

 

7-  ما هي القوانين واللوائح التي نحتاج اليها لتنظيم عملية الدمج، ومنها القوانين الخاصة بكيفية الحصول على الرعاية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والنفسية وممارسة الحقوق السياسية؟

 

8-  من هي فئات الإعاقة التي يمكن دمجها من حيث شدة الإعاقة ودرجتها؟ وما هي البرامج التي يحتاجون إليها؟ ومن هو الفريق الذي يقدم الرعاية؟ وما هي اختصاصات ودور كل شخص منهم للوصول إلى قرار سديد يحقق الفائدة القصوى من الدمج؟

 

 

تلك التساؤلات ما زالت محل جدل ونقاش واسع، على المستوى الاجتماعي والعلمي والبحثي. لكنها تساؤلات قد تكشف لنا عن حقيقة مهمة؛ وهى أن الدمج ليس بالأمر السهل وليس من باب الرفاهية لذوي الإعاقة؛ وإنما هو حق أصيل يحتاج إلى الإعداد الجيد، من حيث الكوادر البشرية العاملة في المجال، والإتاحة الهندسية للمباني، وبناء المناهج الدراسية المناسبة، والتهيئة الاجتماعية، والتوعية الاعلامية، وبناء فلسفة واضحة لفكرة الدمج، ورسم استراتيجيات واقعية تراعى متطلبات فكرة الدمج، وسن القوانين واللوائح التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

 

 

نصف الصورة الآخر: إيجابيات الدمج

 

وحتى تكتمل الفكرة، رأينا أنه من الواجب التذكير بإيجابيات فكرة الدمج وسلبياتها؛ حتى يستطيع القارئ والمهتم بفكرة الدمج المساهمة في بناء فكر جديد يتمثل في التوعية بضرورة الدمج، وكيفية تحقيق الاستفادة القصوى من إيجابياته، ومحاولة التغلب على سلبياته. وسنركز على أهم تلك الإيجابيات والسلبيات للدمج: إنه يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة فرصة الاختلاط بأقرانهم غير المعاقين، وتعلم السلوكيات الإيجابية منهم من خلال التقليد والمحاكاة والملاحظة؛ مما يساهم في إكساب ذوي الإعاقة بعض السلوكيات المقبولة اجتماعيا. ويتعود الأشخاص غير المعاقين على رؤية أقرانهم من ذوي الإعاقة منذ الصغر؛ مما يساهم في تقبلهم لتلك الفئات، وإدراك خصائصهم وسماتهم واحتياجاتهم. فالأطفال في حاجة إلى نموذج من أقرانهم يقتدون به ويتعلمون منه. والطفل ذو الإعاقة هو أحوج ما يكون لهذا النموذج. ولعله يجده في الطفل غير المعاق، فيقوم بتقليد سلوكه، ويتعلم منه المهارات المختلفة التي تساهم في تحقيق التوافق لديه. وأيضا يساهم الدمج في تقبل الوالدين لفكرة تعليم أبنائهم ذوي الإعاقة؛ حيث ينمو لديهم الشعور بأن أبناءهم ليسوا أقل من التلاميذ غير المعاقين؛ فهم يتعلمون ويدرسون في المدرسة نفسها التي يتعلم فيها غير المعاقين.

 

بالإضافة إلى أنه يساهم في تصحيح بعض الأفكار والمفاهيم الخاطئة التي يعتقدها الأشخاص غير المعاقين نحو الأشخاص ذوي الإعاقة.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن وجود الأطفال من ذوي الإعاقة مع الأطفال غير المعاقين، في مبني واحد أو في فصل دراسي واحد، يؤدي إلى زيادة التفاعل والاتصال ونمو العلاقات المتبادلة بين الأشخاص ذوي الإعاقة وغير المعاقين. كما أن سياسة الدمج تتيح فرصة طيبة للطلبة غير المعاقين كي يساعدوا أقرانهم ذوي الإعاقة.

 

 

سلبيات دمج ذوي الإعاقة: بالأحرى صعوبات

 

إن المناهج المتوفرة حالياً لا تتناسب مع احتياجات وخصائص ذوي الإعاقة. وهذه من الصعوبات الكبرى التي تواجه المعاق، وقد تؤثر سلبا عليه؛ لأنها لا تراعي شعوره، خاصة أمام زملائه. وهذا قد يؤدي إلى التردي والفشل والإحباط عندما لا يكون هناك معلمون مؤهلون للتعامل مع الأفراد من ذوي الإعاقة.

 

وقد يؤدي الدمج إلى حالة الرفض، وخصوصا من قبل المتعلمين غير المعاقين إذا لم يهيؤوا سابقا لتقبل الأفراد من ذوي الإعاقة؛ وهي مسألة في غاية الصعوبة. ولم يكترث القائمون على التعليم في بلادنا مناقشة هذه القضية.

 

في الأخير، إنّ فشل التلميذ المعاق وعدم وجود متابعة وفريق عمل متكامل، انطلاقا من وزارة التربية وانتهاء بالمعلم والأسرة، قد يؤدي إلى خلق شعور من الكراهية نحو المدرسة؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى الهروب من المدرسة، خصوصاً إذا كانت الإعاقة شديدة ولا تراعى فيها خصائص التلميذ واحتياجاته.

 

 

آمال وطموحات لإنجاح فكرة الدمج

 

1- يأمل الجميع بوضع مناهج مناسبة من حيث موضوعاتها وطرق تدريسها والأساليب والوسائل التعليمية والتكنولوجية حتى تتفق مع متطلبات واحتياجات وقدرات الاشخاص ذوي الإعاقة.

 

2- تطوير أساليب الإعداد العلمي والعملي الجيد للعاملين في مجال ذوي الإعاقة.

 

3- توعية المجتمع بمسؤولياته وواجباته نحو الأشخاص ذوي الإعاقة وتعديل الأفكار والاتجاهات السلبية، التي تتمثل في الرفض والنبذ والحرمان، وكلها اتجاهات رصدتها الدراسات العلمية في هذا الميدان.

 

4- الربط بين الدراسات والبحوث العلمية النظرية والتطبيقية، وبين التطبيق الواقعي لأسلوب الدمج، والاستفادة من تلك الدراسات في هذا الميدان.

 

5- إنشاء إدارة خاصة في وزارة التربية والتعليم لتقييم وتنفيذ الوسائل التعليمية التي تتناسب مع كل من غير المعاقين وذوي الإعاقة؛ شريطة أن تكون بسيطة وسهلة التنفيذ، حتى يتم تدريب المعلم عليها ويتمكن من تنفيذها وتعديلها، لتتناسب وطبيعة الإعاقة التي يتعامل معها. كما أن توفير غرفة المصادر يعتبر من العناصر الأساسية لضمان البيئة الصالحة والمناسبة لعملية الدمج، والاهتمام بالأنشطة الجماعية التي يمكن أن تدعم التفاعل بين ذوي الإعاقة وغير المعاقين؛ على أن يتم ذلك في مجموعات صغيرة أولاً ثم تزداد هذه الجماعات بالتدريج، بعد أن يكتسب الطفل غير المعاق تدريجياً الأساليب المناسبة للتعامل مع ذوي الإعاقة. ولا بد من توحيد المناهج المستخدمة في برامج وتأهيل ذوي الإعاقة مع التقويم الشامل للاستراتيجيات، المعمول بها حاليا، بما يحقق زيادة فاعليتها؛ على أن يتم التدرج في تطبيق استراتيجية دمج ذوي الإعاقة مع غير المعاقين بالأشكال والمستويات المختلفة والمناسبة. وأخيراً إعداد وتنظيم دورات تثقيفية لأولياء أمور الأطفال ذوي الإعاقة، كل أسبوع، داخل المدرسة المتكاملة، لمناقشة أحوال أبنائهم والمشكلات التي يعانون منها، ومحاولة تقريب وجهات النظر بينهم حتى يتقبلوا إستراتيجية الدمج.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *